أزمة منتصف العمر

صيف 1998...
أجلس مع صديقة تحكي لي عن أخيها الذي هجر زوجته وذهب ليتزوج بأخرى، تقول في إستغراب " محدش عارف ماله ! أتقلب كيانه ومش سامع كلام حد !"،،
هزيت راسي وقلت بسخرية " دى أزمة منتصف العمر"، سألتني يعنى ايه ؟ ، أجبتها " عارفة سن المراهقة اللى إحنا فيه ده، مش فينا اللى بتحب على روحها وفي اللى عايزة تهرب من بيت أهلها وفي اللى عايزة تموّت نفسها،، أهو بعد ما نعدي سن ال 35 هنرجع مراهقين تانى ونهبّل كده ".

صيف 2016...
أجلس على أرضية بلكونة بيتنا ألتقط أنفاسي بعد أن انتبهت في آخر لحظة أني بحاول أرمي نفسي من الدور التالت،،
ليلة كاملة قضيتها اسأل نفسي " أنا ايه اللى وصلني لكده ؟!"

صيف 2014 ...
أعتقد ان نقطة البداية كانت من هذا العام، بداية الأنهيار الكامل،، كان عام التساؤل، طرحت على نفسي في يوم صيفي حار وبعد أزمة عائلية ضخمة سؤال : ماذا لو ؟

ماذا لو لم تكن تلك حياتي؟ ماذا لو مُنحت حرية الأختيارمن البداية ؟ ماذا لو أستمع لكلام هذه و أتبع هذا ؟ ماذا لو رحلت عندما كان الرحيل ممكنًا ؟

صيف 2015...
هذا العام هو عام الذروة، عام أصبحت فيه المسؤلية خانقة ينوء بحملها القلب والعقل، عام الرفض والتمرد مني وفرض القيود أكثر ممن حولي !

صيف 2016...
أعود لجلستي على أرضية البلكونة، أحاول إستجماع أفكاري، أرتب الأحداث في عقلي، أمنح نفسي القدرة على فهم الأسباب والدوافع،، يأبى عقلي!
لا أسمع إلا صوت واحد داخلي يقول " أنا مش عايزة أعيش الحياة دى، مش قادرة أعيشها، دى مش حياتي وده مش مكاني"
حاسة إني محبوسة في صندوق ضلمة مقفول والحياة ماشية حواليا وأنا بتفرج عليها من خرم ضيق !
ليلة كاملة قضيتها على أرض البلكونة متكومة لحد الصبح، الصبح خرجت منها زحف علشان خايفة أقف وأحاول أرمي نفسي تاني !
شهور بعدها قضيتها خايفة من كل مرة أخرج فيها للبلكونة أو أقف في مكان عالي،، جسمي كان بيحاول كل مرة إنه يدفعني للخلاص وأنا كنت بمنعه!
شهور إستسلمت فيها لحياتي وطبيعتها،، مش هاحكي عنها بس كفاية إن اقول ان العذاب بعينه كان اللحظة اللى بفتح عيني الصبح وأفتكرإني مضطرة أقوم من سريري.

 شتاء 2017....
من غير سبب معروف مشينا أنا وجوزى في شارع عمرنا ما مشينا فيه مع بعض، مش عارفة ليه رجلينا ودتنا ليه أساسا !
في نُص الشارع لقيته بيبص على بيت وبيبتسم، بعدها بدأ يحكي ،، يحكي عن قصة حب عاشها لم أسمع عنها من قبل !
أعرف عن إرتباطاته الرسمية التي سبقت إرتباطنا،، بل أعرف عن أول قصة حب في حياته،، بس دى جديدة ! أول مرة أسمع عنها بتفاصيلها المدهشة ! تفاصيل الحب من أول نظرة ومحاربة أهله للفوز بها والتعرض للتنكيل من أهلها !
تعبيرات وشي خضته تقريبًا وأفتكر إنى غيرت أو اتصدمت فيه مثلا،، قطعت شكوكه وسألته آخر سؤال كان يتوقعه :
"لما انت عرفت الحب وكنت بتختار وبتعارض أهلك، وافقت ليه على جواز صالونات، قبلت ليه؟ خليتنا نعيش كل ده ليه ؟ طب أنا ومكنتش أعرف ولا جربت ! إنت مبررك ايه ؟!
هز كتفه وأجاب بساطة " علشان كنت اتأكدت ان إختياراتي كلها غلط ومش نافعة، فسيبت غيري يختارلي "
لاحظ إن مقتنعتش فقال منهيًا الحوار " نصيب"،،
ساعتها فهمت من طريقة نطقه للكلمة وتنهيدته وسرحان عنيه إن جوزى واقف في نفس النقطة اللى أنا واقفة فيها، يجلس بجانبي في نفس الصندوق الضيق المضلم ولكنى لا أراه !
يمر بكل ما أمر به ولكن بشكل مختلف ..

الأختلاف إنه يقضي أزمته في قناعة بأنه لم يكن في الأمكان أفضل مما كان، في حين أقضيها أنا في تمرد السؤال ماذا لو ؟

صيف/شتاء/ربيع/ خريف .....
نتفق أنا وزوجي على أننا خضنا زواجًا صعبا مُرهقًا، لو ملكنا حريتنا الكاملة ما كنا بدأناه .. ولا حتى استمرينا فيه..
نؤمن أن ما يجمعنا أكبر من مجرد نصيب، يجمعنا مصير.
إرادة أكبر منا تجمعنا، إرادة الزمن أو ربما إرادة الله.
يقول جمال الغيطاني " كل الشدائد تهون إذا تلقاها الإنسان بين جمع، لكنها تعظم إذا قابلها منفردًا"

ربيع 2017 ..

أجلس على أرضية بلكونة بيتنا بعد أن تخلصت من خوفي من الوقوف فيها، أُنهى رواية هاتف المغيب ..
الرواية التي تدور حول شخصيتين، شخصية أحمد عبد الله الرحالة الذي خاض الحياة بكل فيها، و شخصية جمال عبد الله القعيد الذي قضى حياته في مكانه يتطلع إلى الحياة من بعيد..
أحمد وجمال وصلا في النهاية إلى نقطة واحدة ونهاية واحدة، بنفس اليقين ونفس الحكمة برغم أن أحدهم وصل إليها بقناعة أنه لم يكن في الأمكان أفضل مما كان والثانى وصل إليها بحيرة سؤال ماذا لو ! .

أنهيت الرواية وأدركت أنني كما قال الغيطاني على لسان بطليّه
      "لم يهلكني إلا الحنين إلى ما لايمكن إدراكه" 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

يعنى ايه تبقى "تخينة" ؟؟

مش عايز الميس تزعق ولا تضرب تاني